الشنقيطي

275

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الفعل . وبين أن الحكمة في ذلك : الابتلاء بقوله : إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) [ الصافات : 106 - 107 ] ومن أمثلة النسخ قبل التمكن من الفعل : نسخ خمس وأربعين صلاة ليلة الإسراء ، بعد أن فرضت الصلاة خمسين صلاة ، كما هو معروف . وقد أشار إلى هذه المسألة في مراقي السعود بقوله : والنسخ من قبل وقوع الفعل * جاء وقوعا في صحيح النقل المسألة الثامنة - اعلم أن التحقيق : أنه ما كل زيادة على النص تكون نسخا ، وإن خالف في ذلك الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه . بل الزيادة على النص قسمان : قسم مخالف النص المذكور قبله ، وهذه الزيادة تكون نسخا على التحقيق ؛ كزيادة تحريم الحمر الأهلية ، وكل ذي ناب من السباع مثلا ، على المحرّمات الأربعة المذكورة في آية : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ [ الأنعام : 145 ] الآية ؛ لأن الحمر الأهليّة ونحوها لم يسكت عن حكمه في الآية ، بل مقتضى الحصر بالنفي والإثبات في قوله : فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ [ الأنعام : 145 ] الآية - صريح في إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها ؛ فكون زيادة تحريمها نسخا أمر ظاهر . وقسم لا تكون الزيادة فيه مخالفة للنّص ، بل تكون زيادة شيء سكت عنه النّص الأوّل ، وهذا لا يكون نسخا ، بل بيان حكم شيء كان مسكوتا عنه ؛ كتغريب الزّاني البكر ، وكالحكم بالشّاهد ، واليمين في الأموال . فإن القرآن في الأوّل أوجب الجلد وسكت عمّا سواه ، فزاد النّبيّ حكما كان مسكوتا عنه ، وهو التّغريب . كما أنّ القرآن في الثاني فيه فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ [ البقرة : 282 ] الآية . وسكت عن حكم الشّاهد واليمين ، فزاد النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم حكما كان مسكوتا عنه ؛ وإلى هذا أشار في مراقي السّعود بقوله : وليس نسخا كل ما أفادا * فيما رسا بالنّص إلا ازديادا وقد قدّمنا ( في الأنعام ) في الكلام على قوله : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ الآية . قوله تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [ 102 ] الآية . أمر اللّه جلّ وعلا نبيّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية الكريمة : أن يقول إنّ هذا القرآن الذي زعموا أنّه افتراء بسبب تبديل اللّه آية مكان آية - أنّه نزّله عليه روح القدس من ربّه جلّ وعلا ؛ فليس مفتريا له . وروح القدس : جبريل ، ومعناه الرّوح المقدّس ؛ أي الطّاهر من كل ما لا يليق . وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 97 ] الآية ، وقوله : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) [ الشعراء : 192 - 195 ] ، وقوله : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [ طه : 114 ] ، وقوله : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ